وحيد في وحشة الأسئلة
كان لديها الكثير لتقوله في لقائهما الأخير، لكنها
فضلت الصمت وابتلاع العتب و الأستمتاع بالحديث الهادئ بين عينيهما الذي كان يتخلل نقاشهما
حول العمل.قالت عينيها كل ما يود القلب البوح به..
غابت عن المشهد واستقرت بكل جراحها داخل صدره
وراحت تبث قلبه الحاني عتبها المخبؤ في طيات الوجع:
(يحتشد الليل كله في ليلة واحدة .. هذا هو حالنا
إن "تسأل عن الحال" !!
كل ليلة نقول هذه الليلة ليلة المواجع الأخيرة،
لا فجر بعدها لهذا الحب والشوق.. كل ليلة ولم ينتهي بعد هذا القلب عن حبك ..
أتعلم لقد صار يتعثر بنا السهر بعد أن كنا نتعثر
به و يسامرنا الليل بعد أن كنا نسامره و نستجدي ساعاته نومة هنية تريح البال قبل الجسد
لكنه كان يتأبى علينا وينفذ أمره فينا ليلا طويلا وسهراً ثقيلا..
أما الآن فنحن من نستفتح ساعات الليل بتهيئة السهرة
بموائد الأرق و الشوق و الدموع!!
يقال"يدرك المرء وزنه إذا سقط" فهل
هذا وزني عندك..تترك القلب وحيداً في وحشة الأسئلة..وحيد في حزنٍ رحيب بسعة المجرة..أهذا
كله إنشغال؟!
وهل يمكن أن تنتهي الحياة لو أوقفناها لثانية
لنقول لقلب نحبه: وفي غمرة الإنشغال قلبي يحبك، أو حتى صباح الخير أيها الحبيب، أو
حتى ايقونة تخبر القلب أنه في البال رغم الإنشغال..
أم تراها حقيقة تلك المقولة التي كثيرا ما يرددها
الناس(اللي بعيد عن العين بعيد عن القلب) هل حقا كنت بعيدة عن قلبك!
هل يرضيك هذا الجحيم الذي أوقدته بيدك في قلبي..
هل يرضيك أن يتعثر هكذا في طوفان الاسئلة حتى
يغرق في دواماتها..
لاجواب لهذه الأسئلة عندك ..اعلم..
ويعلم القلب يقيناً أنك لن تجيب ولن يكون منك
إلا ذلك القول الذي تردده دوما"هذه طبيعة الأشياء،تكبر وتصغر بنا"
سأخبرك شيئاً.. هل تعلم أنه لم يفهم حتى اللحظة
معنى هذه العبارة .. يقلبها ذات اليمين وذات الشمال لعله يجد فيها ما يسد رمق السؤال
لكن .. لا شيء.. لاشيء سوى أنها حروف وكلمات غامضة تمتلك حواف حادة تدمي القلب كلما
مر عليها محاولاً فهمها!!
هل من طبيعة الأشياء أيها النبيل أن نتجاهل من
نحب حتى يدركه الخوف من هذا التجاهل؟؟ هل من طبيعة الأشياء أن نعرض فلا يلمح منا قلب
من نحب ابتسامة أو نظرة ؟
أم من طبيعة الأشياء أن من ترى عوده ورضاه سهلا
والوصول إليه هيناً يهون عندك..
هل أزعجتك هذه الاسئلة المعلقة التي لا جواب لها!!
إذن فكيف بالذي كانت تقضم صبره هذه الاسئلة ولا
تخبره مطلقا عن النهاية !!وآآه ثم آآه ما أشد تجربة الصبر حتى بلوغ الأجوبة.
ثم ورغم مرارة الاسئلة وعلقمية الصبر لازال هذا
القلب لو تعلم مفتونا بك .. مأخوذا بسحرك ، يصحو مع كل شروق على نشوة الحب الأولى رغم
اغفاءته على ايقاع الشوق المؤلم!!
تشتد الحيرة ولا تنجلي ويعلو إيقاع الشوق ولا
ينحني ويبقى القلب كما هو لا يغير و لا يبدل؛ فما رهن يوما حبه لردة فعل منك وما أنتظر
يوما مكافأة لشوقه وهواه.. وقد عاش عمراً يحبك دون أن تعرف عنه شيئاً ....
فلا تظن بعد هذا أنه يستجديك لحظة حب أو ينتظر
منك ابتسامة قلب.. إنما هذا كله لتعلم حين
تأتي بعد حين تهز الشوق بحرفك وتثير اللهفة بعينيك وتقتبس من قصائدك القديمة ما يذهل
القلب عن كل سؤال فيأوي ويعفو ويصفح، لتعلم أيها النبيل أنك مسرف في الغياب وأنه مسرف
في الصبر.. وأنه شتان شتان بين: أحبك وأحبك!
وأن هذا القلب وقف دوما أمام أضداد فعلك صامتا
صابرا.. ليس استجداءً للقرب بل حفظاً للعهد والميثاق .. وارتقاءً بهذا الحب عن الارتهان لردود الفعل..
وأنه مهما سال الأسى في ارواحنا وتهنا بين القلق
والطمأنينية يبقى الحب يبني سياجه حول القلب لتتكسر دونه السهام على السهام.l
لكن هل ستدرك يوما هذا .. أرجو ذلك..)
نفث صدرها تنهيدة خفيفة حاولت جاهدة أن لا تبديها
.. أراد قلبها التخفف من ثقل العتب وأبعاده المديدة التي تلمع في عينيها بتلك النفثة!
راحت تتشاغل بتقليب الأوراق المبثوثة على طاولة
النقاش في حين كان القلب مشغولا بتقليب التساؤلات حول تلك النظرات الدافئة من عينيه الممزوجة بلون العسل والتي تبعث في المكان طمأنينة مسكرة ، وهو يردد يبدو أنه لا بد من إماتة العتاب والملامة لأنه كما قيل " لن تمتلئ من محبوبك ولو رافقته دهرك كله لذلك عليك أن تغنم أياماً خطها لك القدر لتلاقيه"
لا بأس سنكتفي أيها القدر بتلك الأيام .. لكن هل ستخطها كما نريد لنحظى بنعيمها ؟ ..أرجو ذلك.

تعليقات
إرسال تعليق