شبهة أمل
بـ ابتسامة الذي يرى المصير الأخير لحكايته قال غيث وهو يتأمل سقف الغرفة: ربما اللحظة مشبعة بمرارة موجعة، لكنني الآن حصلت على الطمأنينة وقريبًا سيرحل الألم..
نظرت إليه سارة نظرة غائمة تكاد لولا مغالبتها أن تهطل بغزارة فعمها غيث يذبل أمامها بعد أن ساءت حالته جراء إصابته بسرطان الرئة، وليس لها من الأمر إلا أن تلوّن له أيامه في هذه الحجرة البيضاء التي تشبه شتاءات الحزن في عينيه.. لذا اتفقت مع والدها ان يتناوبا على مرافقته حتى تتحسن صحته ويتجاوز هذه المحنة بأقل الاضرار.
قامت إلى النافذة لتخفي ذلك التأثر الذي ارتسم على وجهها في محاولة يائسة للتغلب على الدموع المصرة على تصعيد الموقف و تعقيده..لازال الشفق الأحمر يرسم لوحته الآخاذة على صفحة السماء.. لقد شارفت الشمس على الغروب وكأنها تذكر الإنسان الغارق في لجة الحياة أن لكل شروق غروب ولكل بداية نهاية يتوقف عندها كل شيء..
قالت في نفسها كل هذا بسببها هي واخاها البغيض..هل يعقل أن يحب المرء إلى هذه الدرجة ! الى درجة أن يعمى عن مساوئ الحبيب..
اطلق تنهيدة ثقيلة من صدره اخترقت قلبها كنصل مصوّب بدقة .
التفتت إليه ..يا الهي !! هل يستحق هذا الرجل الطيب كل ما حدث له !
هل يمكن أن يتحول الحب إلى سجن من الجحيم ؟!
ظلت تتأمل ذلك الجسد المسجى أمامها .. يبدو غارقا في سكونه وطمأنينته كـ مصلٍ أذهله الخشوع عن كل ما حوله، لكن خلاياه تئن أنينا موجعا ينتزع الفؤاد من مكانه. اقتربت من سريره وجلست بهدوء عند قدميه ثم اخذت تدلكهما بلطف وتقرأ مما تحفظ من القرآن وهي تغالب ألم وغضب يعتملان داخل صدرها.. كان يشعر بدفء يديها على ساقيه واطراف قدميه.. كان يحس بذاك الألم الذي يعتصر قلبها .. يشعر بنبضاته في اناملها الرقيقة .. يود لو أنه رحل قبل أن يرى حزن أحبابه عليه .. بحادث خاطف أو سكتة قلبية كتلك التي سرقت منه ابنه تركي في احدى الصباحات الحزينة ..
كان يحزنه حزنهم عليه..!
توقفت فجأة ونظرت إليه بوجه جامد خال من اي شعور لتسأله: هل لازالت تسكن قلبك؟
فاجأه السؤال لكنه سرعان ما ابتسم وعاد إلى طمأنينته..اغمض عينيه كمن يتأهب للنوم، وبعد أن تجلّد تجلد المرهق أجابها قائلا:
كان فراقها سبباً كافياً لأن يوصلني إلى هذه الغرفة البيضاء، لكن الحياة اختارت أن يزهر الحزن في قلبي لـ اثنين و عشرين عاماً.
-أليس هذا هدراً للعمر يا عماه .. أليس حراما أن تسكب عمرك وقودا للحزن على فراق شخصٍ لا يستحق.
-تستحق يا سارة .. ولو كنت املك عمرا غير هذا لبذلته حزنا على فراقها..
-اي حب هذا الذي يفتك بعمر الإنسان إلى هذا الحد ..! غطت وجهها بيديها فقد غلبتها الدموع اخيرا وانهالات بغزارة..
-لا تبك يا صغيرتي .. كانت ماجدة تستحق كل هذه المشاعر التي في قلب عمك، لا تحمليها ذنب والدها وأخيها..
-لكنها فضلت ذنبهما على حبك، فضلت أن تنصت لمؤامراتهم وعبثهم ، فضلت أن تهدم بيتها الدافئ المليء بالحب من أجل مكر والدها بـ أبيك وعمك .. ضحت بكل شيء من أجل أن يتلذذ المعتوه بالانتقام حين لم يتم له ما أراد من خبث !!
-وهل كانت تملك الاختيار! لقد كانت المرأة في ذلك الزمن لا تملك حق الاختيار.. كما اجبروني على طلاقها وأنا رجل، اجبروها وهي التي لا حول لها ولا قوة أن تقول امام القاضي بلسانها ما لا يريد قلبها..
-كانت لديها فرصة أن تقول أنها مجبرة..
-وتجلب العار لأهلها!
-أترى أن وقوفها مع الحق واختيار زوجها وابناءها عار..
-سيقول الناس فضحت اهلها في المحكمة!
-ليذهب الناس وكلامهم إلى الجحيم .. لقد كانت ضعيفة .. هزمتها التقاليد... لقد أحببت امرأة ضعيفة تخشى الناس وتأبه لكلامهم..
-آآآه يا سارة.. لقد ورثّت هذا الضعف لابنة عمك ريم وكم اخشى عليها من تلك القلوب القاسية التي لا تعرف الرحمة ولا الحب ..
- هذا ما يحصل يا عماه حينما تكون الأم ضعيفة.. سينعكس هذا الضعف ولا بد على شخصيات ابناءها..
-أعلم ذلك يا صغيرتي .. فالمرأة الضعيفة يسقطها المجتمع من حساباته ، بل ويتلذذ بتسلطه عليها، وترضخ هي للظلم الواقع عليها حتى تظن بمرور الوقت أنه ليس من حقها إبداء رأي أو اتخاذ قرار حتى لو كان الأمر يخصها وأن الأمر كله بيد وليها الذي هو أدرى بمصلحتها "كما تقول العادات اللعينة"
ساد صمت كثيف يخبئ في طياته حزن ثقيل تنوء بحمله الصدور الموجوعة..لقد كان مسار الحديث هادئاً .. ما الذي حرفه لهذه الزوايا الحادة !
ومثل نغمة هاربة من لحن حزين بادرته بسؤال يحبه كل عاشق لتخرجه من تلك الزوايا الموبؤة بالحزن :هل يمكن أن اعرف بداية هذه القصة ... كيف تمكن حبها من قلبك ؟!
تنهد بعمق وكأن السؤال آلة زمن اخذته سريعا إلى ذلك العمر الزاهي بالشباب و الحيوية: لا أذكر بالضبط البداية لكن انا وأخاها سالم كنا صديقين، قاطعته بكل دهشتها: كان صديقك ثم يفعل كل هذا بك؟
-كان صديقي يا سارة ورفيق ايامي - رغم تحذير عمي صلاح بأن لا اماشيه ابدا - إلا إنني كنت اصر على مرافقته.. رحم الله جدك يا سارة لقد كان رجلٌ ذو فراسة لا تخطئ..
نقاء قلبه يا عماه هو الذي منحه تلك الفراسة، يخيل ليّ أن قلبه كقلوب الأطفال نقاءً وبراءة..
وهو كذلك يا صغيرتي .. كان محبوبا بين "الجماعة" .لم يخل مجلسه يوما من الناس.. يلجأ اليه المسكين ويلوذ بكرمه الفقير ويطلب ودّه الشريف والغني .. ثم هو محب للجميع يسعى في الخير والصلح بين الناس.
-وبعد هذا كله لم تكن تسمع لرأيه..
-كنت مراهقا أيتها المشاغبة .. كنت شاباً يغريني الشباب وأرى صواب رأيي وصحة اختياري..
ابتسمت بمكرٍ وهي تقول: انحرفنا كثيرا عن الجواب..
-أليس كذلك .. حسناً لقد رأيتها مرة أو مرتين عندما كنت ازور سالم في منزله.. لا اعرف كيف تعلق قلبي بها حتى أنني لم استطع التخلص من طيفها رغم سفري بعد ذلك وغربتي وانشغالي بالوظيفة .. شعرت أني لا استطيع العيش دونها.. لذا قررت -بعد أن رأيت أني استطيع تحمل مسؤولية "فتح بيت"- ان اتحدث إلى والدي وعمي بالأمر و كم حاولا ثنيي لأنهما يعرفان سوء والدها ومشاكله التي لا تنتهي لكنني كنت مصرا على قراري .. وبعد محاولات يائسة لإقناعي رضخا للأمر.
وبينما كان غارقا في سيل الذكريات اللذيذة.. تناولت زجاجة ماء من الخزانة التي بجانب السرير وناولته اياها -بعد ان رأت جفاف الكلمات على شفتيه- ثم اسندت ظهره ببعض الوسائد وبعد أن استوى جالسا ارتشف رشفتين من الماء ثم قال وهو يستطعم شيئا ما تبدو مرارته واضحة على وجهه: يالسخرية الأيام لقد كان بين طعم الفرح وبين أيام الوجع لحظة مفتوحة على كثير من الحكايات.
-وكثير من الحكايات عارية من الامل مثقلة باليأس..
-لا..لا يا صغيرتي ؛ الأمل يضيء كل شيء حتى تلك القناديل التي بلا زيت..
-"حتى تلك القناديل التي بلا زيت!! " أي قلب تحمل يا عماه رغم الضفاف المجدبة لازلت تهز جذع الأمل!!
-سأظل أهزه حتى آخر لحظة يا سارة، فلا طاقة لي بحياة دون أمل يثمر طمأنينة وسكينة في روحي!
قامت إلى النافذة مجددا كأنها تود أن تخفي وجهها عند طرحها لسؤال تخشى أن يبعث في الجو مزيداً من الحزن والمشاعر لا تحتمل المزيد منه.. لكن يجب أن تعرف ولو طرفا من هذه القصة التي أودت بحياة عمها.. استجمعت شيء من جرأتها بعد ان ألبست السؤال ردءاً لطيفا لعلها تحظى بابتسامه تفتر عنها شفتاه وترسم شيئا من البهجة على ملامحه الدافئة.
عمي غيث..في فمي سؤال اخرق لا أعرف كيف اصيغه؟
-تعلمين كم أحب أسئلتك " الخرقاء".. فأسألي كما يحلو لك..
-حسنا.. لماذا لم تأخذها بعيدا عن اهلها.. لمَ لم تسافرا إلى جدة وتسكنا هناك بالقرب من عملك بدلا من تركها لـ وكر الافاعي.. كان يمكن أن تنجوا من سمومهم.
- سؤال أخرق هااه؟؟ إذن كيف يبدو السؤال الذكي أيتها الماكرة؟!
منحته هذه المزحة ابتسامة حلوة لمعت في عينيه قبل أن ترتسم على خده.ثم قال: أردت ذلك فعلا لكن والدها كان يرفض الامر، لذلك كانت ترفض و تحاول اقناعي أن البقاء بالقرب من اهلها خير من الغربة!
ندت دمعة من عينيه، شعر أنها خرجت من أعماقه المدفونة تحت ركام الذكريات..
-هل تعلمين يا سارة .. بأني بعد أن طلقتها سافرت لجدة لعل القلب يسلو والبال ينشغل لكن ماحدث هو العكس. أيام فقط وبدأت ملامح حياتي في الانهيار..أدمنت التدخين بكل انواعه،حتى الارجيلة لم تسلم رئتاي منها.. كان يخيل لي أنني انفث مع ذلك الدخان الذي اخرجه همي، وحزني، وغضبي ..ثم بعد فترة وجيزة تركت وظيفتي لأني لم اكن استطيع أن استجمع قواي التي كانت تحتاجها وظيفة ضابط في الحرس الوطني.. ولم ارد أن ألوث تاريخي الجميل مع زملاء العمل الذين حاولوا بشتى الطرق ثنيي عن قراري لكني مضيت فيه دون شعور بالتردد أو القلق..
-اتلفت صحتك وتركت وظيفة مرموقة كان يحلم بها كل الشباب الذين في سنك بسبب الحب !!
-ما أقسى أن يحاكم المرء نفسه إذا ادرك في اللحظات الأخيرة أن حياته كلها كانت رهن الخطوة الخاطئة، لكن هذا ما حدث .. صدقيني بعد كل هذا العمر لازلت أحبها وأحب ذكرياتي القليلة معها..عيد يشبهها كثيرا أما ريم وتركي فيشبهانني قليلا.. تمنيت أن يشبهوا أمهم جميعاً لأسعد برؤيتها في وجوههم..
-لكن عيد يشبه خاله كثيرا!.. ثم صمتت بعد أن انتبهت لقولها.
-يشبهه في الافعال أما الملامح فهي ملامح والدته..
نكست رأسها وكأنها خجلى من سؤال تودّ لو تشرح أسبابه قبل أن يجيب عليه: هل غضبت حين رفضت الزواج منه..
-لاياابنتي لم يغضبني رفضك.. لكني كنت اتمنى لو قبلت، قلت لأبيك ربما سارة بشخصيتها القوية تغيّره.. تستطيع اخراجه من سلطة خاله.. لأني موقن أن الحب يغير كل شيء.. وسعيد جدا بأنه أحبك وأراد بشدة الارتباط بك.
ادارت وجهها نحو النافذة وظلت واجمة، لقد كانت سارة تعرف في قرارة نفسها أن رفضها لـ عيد ليس لكونه شابا ضعيف الشخصية يملك خاله أمره ..بل لأنها تكره كل شيء يمت لتلك العائلة بصلة..
فكيف لها أن ترتبط بصلات مع عائلة أصلها خبيث، لا يثمر في ديارهم إلا النفاق و الخداع والكذب، يقتات صغيرهم قبل كبيرهم على النميمة والتفريق بين الناس، تثملهم المشاكل حين توقد نارها، ويسكرهم النفاق حين يعلو صوته..ثم كيف لها أن تأمنهم و هي ترى خنجرهم المسموم في ظهر عمها وقد كان لهم صديقا ورفيقا!!
ما فعلوه بك ذنب لا يغتفر "رددت في داخلها" ولا يمكنني الموافقة يا عماه .. فعيد لن يخرج أبدا عن رأي خاله، ولو كان الحب يغير أحدا لغيّر ماجدة التي سقيتها أعذب الحب واصدق المشاعر
-الحب لحنُ عذب يا عماه لكن عيد ليس العازف المناسب لأوتار قلبي..
طرق سمعه هذا الجواب لكن صداه تغلغل في أعماق قلبه، لقد اوصلت سارة الرسالة التي كان يجب أن يدركها هو منذ زمن بعيد..ترى هل كنت العازف المناسب لأوتار قلبك يا ماجدة؟ هل اخطأت حين استمعت لصوت الحب؟ لقد بقي في قلبي منذ افترقنا يا حبيبتي شبهة أمل استعصت على كل الأدلة التي قدمها الواقع، والبراهين التي اثبتتها الأيام .. وأدرك اليوم أن تلك الشبهة ما كانت إلا وهم على وهم تدثرت بدفئها طوال عمري من صقيع فراقك..
اغمض جفنيه وتنهد ببطئ ولسان حاله يقول: زفرة الوجع أثقل من أن تخرج دفعة واحدة لأنها ستنزع معها شغاف القلب.

تعليقات
إرسال تعليق