تأثير المؤرخ و بيئته التاريخية و الإجتماعية على العمل التاريخي




تأثير المؤرخ و بيئته التاريخية و الإجتماعية على العمل التاريخي


قبل البدء .. ينبغي أن نأخذ لمحة بسيطة عن الكتاب الذي أوحى لي بهذه التدوينة.
(ماهو التاريخ) لـ الدكتور إدوارد كار الصحفي و المؤرخ و الدبلوماسي الانجليزي و أحد كبار منظري التاريخ في الفكر الغربي.
يناقش هذا الكتاب مجموعة من القضايا التي تتعلق بمشكلات الفكر التاريخي وقد طرحها المؤلف في ستة فصول:
المؤرخ و حقائقه ، المجتمع و الفرد ، التاريخ و العلم و الأخلاق ،السببية في التاريخ، التاريخ بوصفه تقدما، الأفاق المتسعة.

وكان من أهم النقاط المحورية التي شغلت د.كار هي تلك العلاقة بين المؤرخ و الحقائق و الوثائق التاريخية، و تأثير المؤرخ و بيئته التاريخية و الاجتماعية عليها. وكيف أن هذه الحقائق قد تخضع للتعديل و التغيير و حتى الحذف و التكييف لتتلاءم مع الفاعلين في التاريخ. 

وهو يرى أن:  
  • المؤرخ ما هو إلا نتاج المجتمع الذي يعيش فيه 
  • و أن رؤية المؤرخ تعتمد على بيئته الاجتماعية 

"الطبري و تاريخه "

توقفت كثيرا عند ما ذكره د.كار حول العمل التاريخي و دور المؤرخ و بيئته التاريخية في صنعه وبلورته و أن { حقائق التاريخ لا تصل إلينا مطلقا بصورة بحتة لانها لا توجد و لا يمكن أن توجد بصورة بحتة} فهي دائما تنعكس من خلال ذهن المؤرخ مما دعاني إلى وضع الطبري و تاريخه تحت المجهر و محاولة تطبيق هذه النظرية على ديوانه الضخم (تاريخ الأمم و الملوك) المعروف بتاريخ الطبري..

لماذا تاريخ الطبري؟
لأهميته و قيمته العلمية الكبيرة فهو يعتبر من الكتب المرجعية في هذا الفن ، وكون مؤلفه إماما من ائمة الإسلام و عالم من علمائه الكبار..لكنه مع ذلك يعج بالطامات و البلايا التي يروج لها اعداء الأمة من الشرق و الغرب والتي استغلوها ايما استغلال في تشويه تاريخنا الاسلامي، وخاصة ذلك الجزء الذي تناول فيه بداية التاريخ الاسلامي وعصر الخلفاء الراشدين و الدولة الأموية .. 


يقول د.كار(قبل أن تدرس التاريخ ادرس المؤرخ ، و قبل أن تدرس المؤرخ أدرس بيئته التاريخية و الاجتماعية) لأن (المؤرخ ماهو إلا نتاج المجتمع الذي يعيش فيه) وبالنظر إلى العصر الذي ولد فيه الطبري وحمه الله و دوّن فيه "تاريخه" نجد أنه عاش ما بين سنة ٢٢٤-٣١٠ هـ و هو عصر الدولة العباسية ، في آخر قوتها و بدء جورها و ضعفها وتسلط الموالي و الشعوبية عليها. وقد عاصر رحمه الله احد عشر خليفة: بدءً بالمعتصم و انتهاءً بالمقتدر. اي انه عاش في عصر تسلط الاعاجم على السلطة وانتشارهم في بلاد العرب لدخولهم تحت لواء الخلافة الإسلامية، هذا من الناحية الإجتماعية اما الناحية الدينية و خاصة في بلده طبرستان فقد كان للمعتزلة و الجهمية و الشيعة بطوائفهم حراك و تواجد ..

هذه لمحة بسيطة جدا حول البيئة التاريخية و الاجتماعية للمؤرخ. 
فماذا عن المؤرخ ... 
من هو الطبري؟
هو محمد بن جرير الطبري المكنى بأبي جعفر ولد في مدينة آمل في طبرستان نشأ في كنف والده و تلقى العلم في رحلاته على معظم علماء عصره و سمع عن كثير من الشيوخ الثقاة اصحاب الاسانيد العالية. وقد ترجم له في طبقات الشافعية لأنه كان في مبتدئه على مذهب الامام الشافعي ثم انتقل منه إلى الاجتهاد المطلق فلم يقلد أحداً. ممايؤخذ عليه رحمه الله إكثاره من الرواية عن لوط بن يحيى المعروف بابي مخنف، واثباته لاسانيد روايات حديث غدير خم  .. و  قد قال عنه الذهبي في ميزان الإعتدال في نقد الرجال (٩٠/٦) : فيه تشيع يسير و مولاة لا تضر.

كل هذه العوامل التي مررنا بها سريعا-دون أن نتعمق فيها و نحللها- لها تأثيرها على العمل التاريخي الذي انجزه الطبري ..وكما يقول أوكيشوت (التاريخ هو خبرة المؤرخ ) وهذه الخبرة تتأثر بالمجتمع و الزمان اللذين عاش فيهما المؤرخ كما قرر ذلك الدكتور كار.

إذن لا بد لدارس التاريخ أن يعيد النظر فيما بين يديه من عمل تاريخي و لا يكتفي بدراسته بعيدا عن مؤرخه و البيئة التاريخية و الاجتماعية التي نشأ فيها.. ويعيد كذلك التفكير في كثير من ارائه و افكاره حول التاريخ الإسلامي و لا يكتفي بسمعة المؤرخ مهما علا شأنه و ارتفع نجمه في هذا المجال.. فالدراسة الجادة للتاريخ لا تتطلب فقط نقد المصادر التاريخيه بل ومعرفة و دراسة ميول مؤلفيها و تتبع أحوال بيئاتهم التاريخية و الاجتماعية لتفتح له تصورات غائبه قد لا يدركها إن اقتصر على دراسة العمل التاريخي بعيدا عن مؤرخه والعصر الذي نشر فيه.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة رواية خاوية 

حقيقة إتلاف المغول لمكتبات بغداد ورميهم الكتب في نهر دجلة

مراجعة (12) كتاب مختصر تاريخ الاسماعيلين